فصل: تفسير الآيات (36- 37):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (35):

{وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35)}
قوله تعالى: {وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ} أي عظم عليك إعراضهم وتوليهم عن الايمان. {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ} قدرت {أَنْ تَبْتَغِيَ} تطلب {نَفَقاً فِي الْأَرْضِ} أي سربا تخلص منه إلى مكان آخر، ومنه النافقاء لحجر اليربوع، وقد تقدم في البقرة بيانه، ومنه المنافق. وقد تقدم. {أَوْ سُلَّماً} معطوف عليه، أي سببا إلى السماء، وهذا تمثيل، لان السلم الذي يرتقى عليه سبب إلى الموضع، وهو مذكر، ولا يعرف ما حكاه الفراء من تأنيث السلم. قال قتادة: السلم الدرج. الزجاج: وهو مشتق من السلامة كأنه يسلمك إلى الموضع الذي تريد. {فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} عطف عليه أي ليؤمنوا فافعل، فأضمر الجواب لعلم السامع. أمر الله نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا يشتد حزنه عليهم إذا كانوا لا يؤمنون، كما أنه لا يستطيع هداهم. {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى} أي لخلقهم مؤمنين وطبعهم عليه، بين تعالى أن كفرهم بمشيئة الله ردا على القدرية. وقيل المعنى: أي لأراهم آية تضطرهم إلى الايمان، ولكنه أراد عز وجل أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن. {فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ} أي من الذين أشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد، وإلى ما لا يحل، أي لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين.
وقيل: الخطاب له والمراد الامة، فإن قلوب المسلمين كانت تضيق من كفرهم وإذايتهم.

.تفسير الآيات (36- 37):

{إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37)}
قوله تعالى: {إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} أي سماع إصغاء وتفهم وإرادة الحق، وهم المؤمنون الذين يقبلون ما يسمعون فينتفعون به ويعملون، قال معناه الحسن ومجاهد، وتم الكلام. ثم قال: {وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} وهم الكفار، عن الحسن ومجاهد، أي هم بمنزلة الموتى في أنهم لا يقبلون ولا يصغون إلى حجة.
وقيل: الموتى كل من مات. {يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} أي للحساب، وعلى الأول بعثهم هدايتهم إلى الايمان بالله وبرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن الحسن: هو بعثهم من شركهم حتى يؤمنوا بك يا محمد- يعني عند حضور الموت- في حال الإلجاء في الدنيا. قوله تعالى: {وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} قال الحسن: {لَوْلا} ها هنا بمعنى هلا، وقال الشاعر:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ** بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا

وكان هذا منهم تعنتا بعد ظهور البراهين، وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة مثله، لما فيه من الوصف وعلم الغيوب. {وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون أن الله عز وجل إنما ينزل من الآيات ما فيه مصلحة لعباده، وكان في علم الله أن يخرج من أصلابهم أقواما يؤمنون به ولم يرد استئصالهم.
وقيل: {وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} أن الله قادر على إنزالها. الزجاج: طلبوا أن يجمعهم على الهدى أي جمع إلجاء.

.تفسير الآية رقم (38):

{وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)}
قوله تعالى: {وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ} تقدم معنى الدابة والقول فيه في البقرة وأصله الصفة، من دب يدب فهو داب إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو. {وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ} بخفض {طائِرٍ} عطفا على اللفظ. وقرأ الحسن وعبد الله بن أبي إسحاق {ولا طائر} بالرفع عطفا على الموضع، و{مِنْ} زائدة، التقدير: وما دابة. {بِجَناحَيْهِ} تأكيد وإزالة للإبهام، فإن العرب تستعمل الطيران لغير الطائر، تقول للرجل: طرفي حاجتي، أي أسرع، فذكر {بِجَناحَيْهِ} ليتمحض القول في الطير، وهو في غيره مجاز.
وقيل: إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران، ولو كان غير معتدل لكان يميل، فأعلمنا أن الطيران بالجناحين و{ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ} [النحل: 79]. والجناح أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء، وأصله الميل إلى ناحية من النواحي، ومنه جنحت السفينة إذا مالت إلى ناحية الأرض لاصقة بها فوقفت. وطائر الإنسان عمله، وفي التنزيل {وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الاسراء: 13]. {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ} أي هم جماعات مثلكم في أن الله عز وجل خلقهم، وتكفل بأرزاقهم، وعدل عليهم، فلا ينبغي أن تظلموهم، ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به. و{دابة} تقع على جميع ما دب، وخص بالذكر ما في الأرض دون السماء لأنه الذي يعرفونه ويعاينونه.
وقيل: هي أمثال لنا في التسبيح والدلالة، والمعنى: وما من دابة ولا طائر إلا وهو يسبح الله تعالى، ويدل على وحدانيته لو تأمل الكفار.
وقال أبو هريرة: هي أمثال لنا على معنى أنه يحشر البهائم غدا ويقتص للجماء من القرناء ثم يقول الله لها: كوني ترابا. وهذا اختيار الزجاج فإنه قال: {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ} في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص، وقد دخل فيه معنى القول الأول أيضا.
وقال سفيان بن عيينة: أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه، فمنهم من يعدو كالأسد، ومنهم من يشره كالخنزير، ومنهم من يعوي كالكلب، ومنهم من يزهو كالطاوس، فهذا معنى المماثلة. واستحسن الخطابي هذا وقال: فإنك تعاشر البهائم والسباع فخذ حذرك.
وقال مجاهد في قوله عز وجل: {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ} قال أصناف لهن أسماء تعرف بها كما تعرفون. وقيل غير هذا مما لا يصح من أنها مثلنا في المعرفة، وأنها تحشر وتنعم في الجنة، وتعوض من الآلام التي حلت بها في الدنيا وأن أهل الجنة يستأنسون بصورهم، والصحيح {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ} في كونها مخلوقة دالة على الصانع محتاجة إليه مرزوقة من جهته، كما أن رزقكم على الله. وقول سفيان أيضا حسن، فإنه تشبيه واقع في الوجود. قوله تعالى: {ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ} أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث.
وقيل: أي في القرآن أي ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب، قال الله تعالى: {وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وقال: {وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وقال: {وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] فأجمل في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه مما لم يذكره، فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره، إما تفصيلا وإما تأصيلا، وقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3].
قوله تعالى: {ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} أي للجزاء، كما سبق في خبر أبي هريرة، وفي صحيح مسلم عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لتودن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء». ودل بهذا على أن البهائم تحشر يوم القيامة، وهذا قول أبي ذر وأبي هريرة والحسن وغيرهم، وروي عن ابن عباس، قال ابن عباس في رواية: حشر الدواب والطير موتها، وقاله الضحاك، والأول أصح لظاهر الآية والخبر الصحيح، وفي التنزيل {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: 5] وقول أبي هريرة فيما روى جعفر بن برقان عن يزيد ابن الأصم عنه: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شي، فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول: «كوني ترابا» فذلك قوله تعالى: {يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً} [النبأ: 40].
وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما هم عليه من الجزع قلن: الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم، فلا جنة نرجو ولا نار نخاف، فيقول الله تعالى لهن: «كن ترابا» فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون تراب. وقالت جماعة: هذا الحشر الذي في الآية يرجع إلى الكفار وما تخلل كلام معترض وإقامة حجج، وأما الحديث فالمقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص والاعتناء فيه حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه، وأنه لا محيص له عنه، وعضدوا هذا بما في الحديث في غير الصحيح عن بعض رواته من الزيادة فقال: حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء، وللحجر لما ركب على الحجر، وللعود لما خدش العود، قالوا: فظهر من هذا أن المقصود منه التمثيل المفيد للاعتبار والتهويل، لان الجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها، ولم يصر إليه أحد من العقلاء، ومتخيلة من جملة المعتوهين الأغبياء، قالوا: ولان القلم لا يجري عليهم فلا يجوز أن يؤاخذوا. قلت: الصحيح القول الأول لما ذكرناه من حديث أبي هريرة، وإن كان القلم لا يجري عليهم في الأحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به، وروي عن أبي ذر قال: انتطحت شاتان عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «يا أبا ذر هل تدري فيما انتطحتا؟» قلت:
لا. قال: «لكن الله تعالى يدري وسيقضي بينهما» وهذا نص، وقد زدناه بيانا في كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة. والله أعلم.

.تفسير الآيات (39- 41):

{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (41)}
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ} ابتداء وخبر، أي عدموا الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم، فكل أمة من الدواب وغيرها تهتدي لمصالحها والكفار لا يهتدون. وقد تقدم في البقرة. {فِي الظُّلُماتِ} أي ظلمات الكفر.
وقال أبو علي: يجوز أن يكون المعنى {صُمٌّ وَبُكْمٌ} في الآخرة، فيكون حقيقة دون مجاز اللغة. {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ} دل على أنه شاء ضلال الكافر وأراده لينفذ فيه عدله. ألا ترى أنه قال: {وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي على دين الإسلام لينفذ فيه فضله. وفية إبطال لمذهب القدرية. والمشيئة راجعة إلى الذين كذبوا، فمنهم من يضله ومنهم من يهديه. قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ} وقرأ نافع بتخفيف الهمزتين، يلقي حركة الأولى على ما قبلها، ويأتي بالثانية بين بين. وحكى أبو عبيد عنه أنه يسقط الهمزة ويعوض منها ألفا. قال النحاس: وهذا عند أهل العربية غلط عليه، لان الياء ساكنة والألف ساكنة ولا يجتمع ساكنان. قال مكي: وقد روي عن ورش أنه أبدل من الهمزة ألفا، لان الرواية عنه أنه يمد الثانية، والمد لا يتمكن إلا مع البدل، والبدل فرع عن الأصول، والأصل أن تجعل الهمزة بين الهمزة المفتوحة والألف، وعليه كل من خفف الثانية غير ورش، وحسن جواز البدل في الهمزة وبعدها ساكن لان الأول حرف مد ولين، فالمد الذي يحدث مع الساكن يقوم مقام حركة يوصل بها إلى النطق بالساكن الثاني. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة {أَرَأَيْتَكُمْ} بتحقيق الهمزتين وأتوا بالكلمة على أصلها، والأصل الهمز، لان همزة الاستفهام دخلت على {رأيت} فالهمزة عين الفعل، والياء ساكنة لاتصال المضمر المرفوع بها. وقرأ عيسى بن عمر والكسائي {أريتكم} بحذف الهمزة الثانية. قال النحاس: وهذا بعيد في العربية، وإنما يجوز في الشعر، والعرب تقول: أرأيتك زيدا ما شأنه. ومذهب البصريين أن الكاف والميم للخطاب، لا حظ لهما في الاعراب، وهو اختبار الزجاج. ومذهب الكسائي والفراء وغيرهما أن الكاف والميم نصب بوقوع الرؤية عليهما، والمعنى أرأيتم أنفسكم، فإذا كانت للخطاب- زائدة للتأكيد- كان {إِنْ} من قوله: {إِنْ أَتاكُمْ} في موضع نصب على المفعول لرأيت، وإذا كان اسما في موضع نصب ف {- إن} في موضع المفعول الثاني، فالأول من رؤية العين لتعديها لمفعول واحد، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين. وقوله: {أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} المعنى: أو أتتكم الساعة التي تبعثون فيها. ثم قال: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} والآية في محاجة المشركين ممن اعترف أن له صانعا، أي أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله، وسترجعون إليه يوم القيامة أيضا فلم تصرون على الشرك في حال الرفاهية؟! وكانوا يعبدون الأصنام ويدعون الله في صرف العذاب. قوله تعالى: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} {بَلْ} إضراب عن الأول وإيجاب للثاني. {إِيَّاهُ} نصب. بـ {تَدْعُونَ} {فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ} أي يكشف الضر الذي تدعون إلى كشفه إن شاء كشفه. {وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ} قيل: عند نزول العذاب.
وقال الحسن: أي تعرضون عنه إعراض الناسي، وذلك لليأس من النجاة من قبله إذ لا ضرر فيه ولا نفع.
وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى وتتركون. قال النحاس: مثل قوله: {وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه: 115].

.تفسير الآية رقم (42):

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)}
قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ} الآية تسلية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفية إضمار، أي أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا وفية إضمار آخر يدل عليه الظاهر تقديره: فكذبوا فأخذناهم. وهذه الآية متصلة بما قبل اتصال الحال بحال قريبة منها، وذلك أن هؤلاء سلكوا في مخالفة نبيهم مسلك من كان قبلهم في مخالفة أنبيائهم، فكانوا بعرض أن ينزل بهم من البلاء ما نزل بمن كان قبلهم. ومعنى {بِالْبَأْساءِ} بالمصائب في الأموال {وَالضَّرَّاءِ} في الأبدان، هذا قول الأكثر، وقد يوضع كل واحد منهما موضع الآخر، ويؤدب الله عباده بالبأساء والضراء وبما شاء {لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23]. قال ابن عطية: استدل العباد في تأديب أنفسهم بالبأساء في تفريق الأموال، والضراء في الحمل على الأبدان بالجوع والعري بهذه الآية. قلت: هذه جهالة ممن فعلها وجعل هذه الآية أصلا لها، هذه عقوبة من الله لمن شاء من عباده أن يمتحنهم بها، ولا يجوز لنا أن نمتحن أنفسنا ونكافئها قياسا عليها، فإنها المطية التي نبلغ عليها دار الكرامة، ونفوز بها من أهوال يوم القيامة، وفى التنزيل: {يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً} [المؤمنون: 51] وقال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267]. {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ} [البقرة: 172] فأمر المؤمنين بما خاطب به المرسلين، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه يأكلون الطيبات ويلبسون أحسن الثياب ويتجملون بها، وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرا، على ما تقدم بيانه في المائدة وسيأتي في الأعراف من حكم اللباس وغيره، ولو كان كما زعموا واستدلوا لما كان في امتنان الله تعالى بالزروع والجنات وجميع الثمار والنبات والأنعام التي سخرها وأباح لنا أكلها وشرب ألبانها والدفء بأصوافها- إلى غير ذلك مما امتن به- كبير فائدة، فلو كان ما ذهبوا إليه فيه الفضل لكان أولى به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه ومن بعدهم من التابعين والعلماء، وقد تقدم في آخر البقرة بيان فضل المال ومنفعته والرد على من أبى من جمعه، وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الوصال مخافة الضعف على الأبدان، ونهى عن إضاعة المال ردا على الأغنياء الجهال. قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أي يدعون ويذلون، مأخوذ من الضراعة وهي الذلة، يقال: ضرع فهو ضارع.